بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد
منهج التوحيد من الفكر إلى الشهود
قراءة في محوريّة «تفسير الميزان » عند العلاّمة الطهراني ورؤيته لمكانة السيّد هاشم الحدّا.
مقدّمة
يمثّل الفكر الإسلاميّ منظومة متكاملة يتدرّج فيها المسلم السالك إلى الله من المعرفة النظريّة العقليّة إلى الذروة الشهوديّة الباطنيّة. وفي هذا الامتداد المبارك، تتجلّى العلاقة بين العلامة الطباطبائي وتلميذه الفذّ العلاّمة الطهراني رضوان الله عليهما كأنموذج فريد في توظيف الفلسفة والعرفان لخدمة فهم القرآن الكريم وبيان حقائق التوحيد و معرفة الله والسير والسلوك إليه وصولاً إلى مرتبة الوليّ الكامل. وسنتحدّث عن ذلك ضمن النقاط التالية:
أولًا: تفسير الميزان والمشروع العلمي للعلامة الطهراني
يُعدّ تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي معلماً فارقاً في الفكر الإسلامي؛ إذ اعتمد منهج تفسير القرآن بالقرآن، وكشف عن أبعاد توحيديّة وأخلاقيّة وعرفانيّة عميقة. وقد أولى العلاّمة الطهراني هذا السفر الجليل اهتماماً استثنائياً، معتبراً إيّاه الذروة في بيان معارف الثقلين.
وقد أفصح العلاّمة الطهراني في مقدمة كتاب معرفة الله عن مشروعه العلمي الأساس، وهو شرح تفسير الميزان وتبيان أبعاده المعرفية والتوحيدية، لتكون هذه المبادئ نقطة الانطلاق لنشر العرفان الإلهي والعلوم الأصيلة.
ثانياً: وحدة الوجود ولقاء الله في «الروح المجرد»
لم يكن المشروع العلمي للعلاّمة الطهراني مجرّد تدوين نظري في الفلسفة الإسلامية، بل وظّفه ببراعة لبيان المقامات العملية التي جسّدها أولياء الله، وعلى رأسهم العارف والولي الكامل السيّد هاشم الحدّاد.
وفي كتابه القيّم «الروح المجرد» قدّم العلاّمة الطهراني شرحاً مفصلاً لـ عقيدة وحدة الوجود، بانيًا إياها على أساس التوحيد الخالص الذي انتهى إليه كبار علماء الفلسفة الإسلاميّة والعرفان الإسلامي. وأوضح الربط الوثيق بين:
- حقيقة التوحيد: أي نفي الشريك والوجود الاستقلالي عن غير الحقّ تعالى.
- وحدة الوجود: بمعنى أنّ الوجود الحقيقيّ المستقلّ محصور بالذات الإلهيّة، وكل ما سواه آيات وظلال له.
- لقاء الله: وهو الغاية القصوى للسالك، حيث تزول الحجب الظلمانيّة والنوريّة وتندكّ القيود كلّها، ليصل الإنسان إلى المعاينة والشهود لحقيقة الذات الإلهيّة التي لا شريك لها ويتحقّق بحقيقة التوحيد ووحدة الوجود ويكتشفها ويعيشها وجدانًا وشهودًا لا عقلاً ونظرًا.
وقد أثبت العلاّمة الطهراني في كتاب الروح المجرد أنّ السيّد هاشم الحدّاد كان النموذج الحيّ للولي الكامل الذي تحقّق بمقام لقاء الله وفني في الذات وبلغ مقام التوحيد الذاتي، كما نقل في كتاب الشمس الساطعة أنّ العلامة الطباطبائيقد بلغ هذه المرتبة في أواخر حياته المباركة، رضوان الله عليهم أجميعن.
ثالثاً: أنواع المكاشفة والشهود الباطني
أكد العلاّمة الطهراني أن الوصول إلى هذه المراتب التوحيدية العالية لا يتم عبر البحث المفهومي والدرس الظاهري فحسب، بل يتوقف على سلوك في الباطن وطهارة للنفس حتّى يحصل الكشف والشهود.
وفي تعليقته القيّمة على رسالة السير والسلوك (المنسوبة لبحر العلوم)، فصّل العلاّمة الطهراني أقسام المكاشفة ومراتبها، موضحاً أنها تنقسم إلى:
- المكاشفة الصورية (الخيالية): وهي التمتع برؤية الصور البرزخية أو سماع الأصوات المجرّدة.
- المكاشفة المعنوية (الروحية والسرية): وهي تجلي المعاني والحقائق والأسماء الإلهية في قلب السالك.
- المكاشفة الذاتية (الشهود التوحيدي): وهي أعلى المراتب، حيث يرتفع كلّ صنم ووساطة، ويشهد السالك الاستغراق التام في التوحيد المطلق، وهو المقام الذي كان يعيشه الولي الكامل السيد هاشم الحداد، ومثله العلاّمة الطباطبائي في أواخر حياته رضوان الله عليهما.
- المصدر: رسالة السير والسلوك مع تعليقات العلامة الطهراني – موقع مدرسة الوحي
خاتمة
إن السلسلة المعرفيّة الممتدة من تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، مروراً بمشروع التوضيح والبسط للعلاّمة الطهراني ، وصولاً إلى النموذج الشهودي المتجسّد في السيّد هاشم الحدّاد تقدّم رؤية متكاملة تدمج بين النظر والعمل، وتثبت أنّ العرفان الإسلامي والفلسفة الإسلاميّة يصبّان في غاية واحدة: الارتقاء بالإنسان من ظاهر العلم إلى باطن التوحيد وفناء العبد في ذات ربّه والعيش معه في الدنيا قبل الآخرة في حياته الفرديّة والاجتماعيّة.